بين المرايا ولدت.. وبين المرايا نشأت.. وبين المرايا عشت في زحام الانعكاسات...
لم اكن لأصرخ عند ولادتي لو كنت اعلم حقيقة انني ولدت في مكانٍ يحلم الاطفال بزيارته ولو مرة كل شهر
يتحمسون ويتقافزون إن وعدهم والدهم باصطحابهم اليه لو نجحوا بتفوق
هنا حيث الجميع يضحكون ويلعبون , حيث العيد كل يوم, حيث ترسم البالونات قوس قزح وتجتهد الالات في نسج غزل البنات ويتقافز الفشار مفرقعا كبمب العيد..
حيث الطابور طويل لا ينتهي على شباك السعادة..
هنا في الملاهي
في المدرسة كنت دائما اسمع من زملائي كلمة ((يابختك)) فأسأل عقلي: لماذا؟ هل تختلف بيوتهم عن بيتي؟
انا اعيش في بيت المرايا
في قلب صخب مدينة الملاهي.. استقر انا في بيت المرايا البللوري الهاديء
العب وامرح مع انعكاساتي
انعكاسي في تلك المرآه هناك بدين دميم وفي مرآه اخرى ارى انعكاسي طوييل مضحك
وذلك الانعكاس هناك انفه ضخم افطس وفمه واسع يكاد يبتلع المرآه
اما هذا الانعكاس الاشعث (راس العبد) فلن العب معه اليوم..
كنت اتعرف على نفسي بعين المرايا التي اختلفت رؤاها غالبا بين البدانة والقبح والغرابة واحيانا الهبل, ولكنها ابدا لم تتفق على الجمال
فعلمت انني وانعكاساتي نخلو منه..
لكنني ابدا لم احزن على افتقادي الجمال الشكلي فقد كنت دائما اعلم ان موهبتي الحقيقية تكمن بداخلي, ايماني وثقتي ان العالم هو المرايا من حولي وما اراه بها هو لاشيء سوى الحقيقة جعلني انا نفسي اتحول الي مرآه..
كنت اعكس للناس مايحبون ان يروه بأنفسهم, واحيانا اكشف لهم ماخفي عنهم..
كنت ارى تفاصيلهم بدقة واحللها وافكر بها واسرح مع تركيباتها البسيطة لدرجة التعقيد..
لكنني ابدا لم أر نفسي الا من خلال المرايا..
لا اعلم كيف ولا متى حدث ولكن انعكاساتي التي اعتدت اللعب معها لم تعد تبهجني
اصبحت راسخة بداخلي, مبعث على حزن خافت عميق مع لمحة حنين..
ربما حدث هذا يوم عدت من المدرسة وبداخلي الف الف سؤال..
يومها تعلمنا ان المرآه المحدبة تقرب الاجسام بينما المقعرة تبعدها
وان الصورة في المرآه غير حقيقة وربما احيانا..
مقلوبة
عالمي كله واعتقاداتي اهتزت بحقيقة واحدة.. فلم اعد اعرف ايهم اصدق.. مايراه العالم.. ام ماتراه المرايا, وشعرت ان انعكاساتي تنظر لي باستهزاء..
تتغذى على حيرتي وتلتهمني بأعينها الثاقبة فتغرقني في عالم من الغربة والاوهام..
في بحر اللا حقيقة.. تحبسني امواجه الهائجة فتتناثر قطراته وتحجب عني الرؤية بلونها القرمزي..
لم افق الا وقد غطت الدماء يدي ومن حولي تناثرت انعكاساتي في قطع المرايا المتناثرة تطاردني وتحاول التهامي..
لا اعرف أكان الرعب ام ذلك الشعور بالاختناق هو مادفعني للهروب..
عندها قررت ان اهجر بيت المريا..
لم اعد اصدق في اي شيء بعدما فقدت ايماني بما نشأت عليه.. وبدأت اشك ان كنت اشبه انعكاساتي, وقررت ان احطم كل المرايا وارسم صورتي لنفسي كما احب ان اراني , وليس كما تراني المرآه.
خرجت الي العالم المفتوح وعلمت ان هناك اكثر مما تحتويه مدينة الملاهي.. رأيت الاختلافات وفي الاختلاف رأيت التشابه..
اصبحت أعين الناس من حولي تعكس تلك الصورة الجميلة التي رسمتها لنفسي بنفسي
لكن بداخلي دائما كانت تلك الانعكاسات البدينة الحزينة المضحكة والمنفرة احيانا.. تبعث على الحنين
حنين دفعني اليوم الي العودة لمدينة الملاهي.. ولكنني ابدا لم اتوقع ان اجدها اطلالا مهجورة..
في يوم ما توقفت الالات عن بث البهجة في نفوس الاطفال.. وحل الجمود محل السعادة..
هناك لازال يمكث بيت المرايا كما كان..
احاول جر قدمي جرا الي حيث منبت رأسي.. الي بيت المرايا.. ذلك المكان الذي كنت يوما استقر فيه بأمان العب وامرح مع انعكاساتي..
مكانه كما هو مثلما تركته..
فقط مكانه...
اما البيت نفسه فهو بارد موحش تهشم كل شيء به..
هل انا حطمته الي هذه الدرجة؟؟
هل رحل الدفء والهدوء والامان يوم رحلت انا عنه؟؟ ام انه كان وهما مثل تلك الانعكاسات..
فقط الانعكاسات هي مابقي من بيت المرايا
في عشرات القطع المهشمة من حولي تتابعني الانعكاسات .. تحاصرني وتتخللني.. تلك الانعكاسات البدينة الحزينة المضحكة والمنفرة احيانا.. تستقر بداخلي, فتبعث على حزن خافت عميق مع لمحة حنين..
الحنين الي يوم كنت اعيش في مكانٍ يحلم الاطفال بزيارته ولو مرة كل شهر
يتحمسون ويتقافزون إن وعدهم والدهم باصطحابهم اليه لو نجحوا بتفوق
مكان فيه الجميع يضحكون ويلعبون , حيث العيد كل يوم, حيث ترسم البالونات قوس قزح وتجتهد الالات في نسج غزل البنات ويتقافز الفشار مفرقعا كبمب العيد..
حيث الطابور طويل لا ينتهي على شباك السعادة..
مكان فيه تولد السعادة كل يوم.. وابدا لا تموت
مكان لي فيه بيت حقيقي..
Sunday, September 26, 2010
بيت المرايا
Subscribe to:
Post Comments (Atom)

No comments:
Post a Comment